سيد محمد طنطاوي

80

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الحق ، وأقسموا لهم على ذلك ، وهددوهم بالقتل أو الطرد إن هم اتبعوا ما جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم . ومقصود الضعفاء من هذا القول ، إلقاء المسؤولية كاملة على الرؤساء ، توهما منهم أن هذا الإلقاء سيخفف عنهم شيئا من العذاب . ثم يحكى القرآن بعد ذلك : أن الرؤساء قد ردوا عليهم بخمسة أجوبة . أولها : * ( قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) * أي : قال الرؤساء للأتباع : نحن لم نتسبب في كفركم في الدنيا ، بل أنتم الذين أبيتم الإيمان باختياركم ، وآثرتم عليه الكفر باختياركم - أيضا - فكفركم نابع من ذواتكم ، وليس من شيء خارج عنكم ، ولم يدخل الإيمان قلوبكم في وقت من الأوقات . فالجملة الكريمة إضراب إبطالى من المتبوعين ، عما ادعاه التابعون . وثانيها : يتجلى في قوله - تعالى - : * ( وما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ) * أي : وما كان لنا عليكم من قوة أو غلبة تجبركم على البقاء في الكفر والضلال ، ولكنكم أنتم الذين رضيتم بالكفر عن اختيار واقتناع منكم به . وثالثها قوله - تعالى - : * ( بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ) * أي : نحن لم يكن لنا سلطان عليكم ، بل أنتم الذين كنتم في الدنيا قوما طاغين وضالين مثلنا . والطغيان مجاوزة الحد في كل شيء . ورابعها : نراه في قوله - سبحانه - : * ( فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ) * والفاء للتفريع على ما تقدم ، من كون الرؤساء لم يجبروا الضعفاء على البقاء في الكفر . أي : نحن وأنتم لم تكونوا مؤمنين أصلا . فكانت نتيجتنا جميعا ، أن استحققنا العذاب ، وأن لزمنا ما توعدنا به خالقنا من ذوق العذاب ، جزاء كفرنا وشركنا به - تعالى - . وخامس هذه الأجوبة : بينه - سبحانه - في قوله - حكاية عنهم - : * ( فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ) * . أي : فدعوناكم للغواية والضلالة دعوة غير ملجئة ، فاستجبتم لنا باختياركم الغي على الرشد * ( إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ) * مثلكم ، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم فنحن ما أجبرناكم على اتباعنا ولكن أنتم الذين اتبعتمونا باختياركم . وهكذا رد الرؤساء على الضعفاء فيما اتهموهم به من أنهم السبب فيما حل بهم من عذاب أليم يوم القيامة .